أن يجري تخصيص يوم عالمي للغة العربية، لاستذكارها والاحتفاء بها والتفكير في أحوالها وشؤونها وشجونها – على غرار ما للمرأة والأم والطفل والسلام والكتاب والبيئة والشجرة والعشاق… أيام – فإن الأمر لا يخرج عن كونه إدراجاً للغة العربية في طقوسية احتفالية هي صنيعة دُرْجَةٍ (موضة) عالمية أو معولمة، شاعت وتشيع في زمن طغيان الإعلام والإعلان وصناعة المناسبات في الفضاء العام العالمي، او المعولم. في هذه المناسبة سرعان ما تحضر عبارة “أيام العرب” التي تعود الى عصور “الجاهلية” السابقة على الإسلام ونبيّه ودعوته وفتوحاته، عندما كانت الغزوات القبلية والترحال والضَّعْنُ والقصص البطولي الخرافي، هي أيام العرب، أي “تاريخهم” واجتماعهم وكينونتهم، والخبر عن حياتهم وأنسابهم وحلّهم وترحالهم. لا بد ان تحضر أيضاً عبارة “الشعر لسان العرب” التي تضاهي العبارة الأولى حضوراً وقوة، بل تلابسها ملابسة حميمة، منذ تلك العصور “الجاهلية” وما تلاها، وصولاً الى ما سمّي “عصر النهضة العربية الحديثة” في نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، عندما تصدّر الشعر وأعلامه تلك “النهضة” الأدبية والثقافية التي تواكبت مع نشوء الصحافة وازدهارها، وتحوّلها “لسان العرب” الحديث. والأرجح ان نشأة الصحافة هي التي أذنت بولادة الكتّاب وأهل القلم، أي “النخبة” الحديثة لعصر النهضة. احتفاءً وزهواً بنهضتكم تلك، اشتقت النخب العربية المحدثة ألقاباً ومراتب ومؤسسات، من أمثال: “أمير الشعر العربي”، “عميد الأدب العربي”، و”مَجْمَعُ اللغة العربية”. لكن هذه لم تعمّر طويلاً، فلم يخلف احمد شوقي أميرٌ للشعر العربي، كما لم يخلف طه حسين عميدٌ آخر للأدب العربي. اما مجمع اللغة العربية في كل من القاهرة ودمشق، فلم يكن حاله أفضل بكثير من حال إمارة الشعر وعمادة الأدب العربيين. ذلك أنه لم يستمر في حضوره وعمله الفعليين زمناً طويلاً، قبل أن يتحول إسماً نُصُبيّاً ومؤسسة ثقافية موقوفة لم تقوَ على تجاوز زمن التأسيس والبدايات. *** قبل أيام، طالعتني في شارع فرعي من شوارع حي الزمالك في القاهرة، لافتة صدئة مغبّرة مهترئة على مدخل بناية قديمة مهملة مهجورة مكتوبة عليها عبارة “مجمع اللغة العربية”. هذا في القاهرة. اما عن دمشق ومَجْمَعِها للغة العربية، فماذا يمكن سوى استحضار قَوْلَةٍ لأحد الشعراء العرب في صنعاء: ماذا أحدّث عن صنعاء يا أبتي؟ عاشقاها السلُّ والهرمُ. فدمشق الآن – وما أدراك ما دمشق؟ – هل يُسمع في صمت لياليها الكابوسية سوى الأنين في المعتقلات؟.. على ما روت امرأة دمشقية تقيم قريباً من ساحة العباسيين. وليس ضرباً من الخيال ان يكون مبنى المجمع اللغوي الدمشقي قد تحوّل معتقلاً للتعذيب والقتل. وها قد تحولت الموصل العراقية عاصمة لدولة الظلام والسّبي والذبح، وغرقت بغداد والكوفة والبصرة في الليل الطويل الذي لم يبقِ من ملايين أشجار النخيل العراقي ظلاً يمكن لبدر شاكر السياب أن يلمحه في “الهجيرة”، فيما هو يصيح: “يا خليج/ يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى!/ فيرجع الصدر/ كـأنه النشيج: /يا خليج/ يا واهب المحار والردى”. فيجاوبه محمد الماغوط من دمشق وبيروت: “تشبّثْ بموتك أيها الشاعر”، ما دام هذا “التابوت الممدد حتى شواطئ الأطلسي” يكتظ بالجثث، “ولا أملك ثمن منديل لأرثيه”. أما من عاش قرناً كاملاً مسحوراً بلبنانه وقدموسه، وبحضارات العالم القديم، وصنع للعربية صرحاً لا يضاهى اقْتَدّه من الضوء والرخام في بيروت أيام زهوها وزهوه الطاووسيّ بها في الخمسينات والستينات، وشطح به الزهو ضد إقامته في أمجاد الماضي الخالد، فقال: “أجمل التاريخ كان غداً”، وختم تعظيمه دمشق بقوله: “أنا حسبي أنني من جبلٍ/ هو بين الله والأرض كلام” – أما هذا الشاعر فلم يقوَ بعضُ مودّعيه الى مثواه الأخير في زحلة، على لجم أحقادهم، فشيّعوه بنبشها لبعث الحروب الأهلية التي لا تزال تعسُّ في الديار اللبنانية، لتبقى وحدها لغة “ايام العرب” في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. *** وماذا هم العرب اليوم سوى لغتهم؟ وماذا تبقى منهم غير لغتهم؟ لغتهم التي هي تاريخهم الحقيقي والفعلي، لكن المتجمد الذي لم يؤرخ له بعد، تأريخاً عصرياً محدثاً، ليصير لهم تاريخ في الأزمنة الحديثة. تاريخ قد يخرجهم من “ايام العرب” القديمة، ايام الغزوات والأنساب والقصص الخرافي البطولي، وأمراء الشعر والفتاوى والسّير والأحاديث والمخيلة الملكيّة والإمبراطورية الخرافية. لمناسبة تخصيص يوم عالمي للغة العربية، ننقل من “كتاب الاشتقاق” لابن دريد المتوفي سنة 321 هجرية، تعليله سبب تأليفه هذا الكتاب: بيان مذهب العرب في التسمية، مستعيداً ان العتيبي سئل مرة: ما بال العرب سمّت أبناءها بالأسماء المستبشعة، وسمّت عبيدها بالأسماء المستحسنة؟ فأجاب(العتيبي): لأنها (العرب) سمّت أبناءها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها. لكن لماذا يا ترى؟ لا العتيبي ولا ابن دريد يشرحان ذلك، ربما لأنه كان بديهيا آنذاك. ذلك ان العرب بأبنائها، اي برجالها وأسمائهم، تخيف أعداءها في الغزوات والحروب التي تُخرج العرب من الديرة والربع الى البطحاء، اي الى التخوم. اما العبيد، وهم ليسوا ابناء غزوٍ وحرب ولا يخرجون اليهما، فيقيمون كالنساء والغلمان في الداخل. المبدأ هذا لا يزال سارياً حتى اليوم. ألم يسمِّ شبان الحروب الأهلية الملبننة أنفسهم أسماء مستبشعة من أمثال: أبو الجماجم، أبو اللهب، أبو الغضب، أبو البلاوي… الخ، لإخافة أعدائهم في شوارع بيروت المتقابلة؟ وحملة فصائح فساد الغذاء، أليست حملة إعلانية خالصة، لتقطيع الوقت الضائع بين حروب “داعش” و”حالش”؟أن يجري تخصيص يوم عالمي للغة العربية، لاستذكارها والاحتفاء بها والتفكير في أحوالها وشؤونها وشجونها – على غرار ما للمرأة والأم والطفل والسلام والكتاب والبيئة والشجرة والعشاق… أيام – فإن الأمر لا يخرج عن كونه إدراجاً للغة العربية في طقوسية احتفالية هي صنيعة دُرْجَةٍ (موضة) عالمية أو معولمة، شاعت وتشيع في زمن طغيان الإعلام والإعلان وصناعة المناسبات في الفضاء العام العالمي، او المعولم. في هذه المناسبة سرعان ما تحضر عبارة “أيام العرب” التي تعود الى عصور “الجاهلية” السابقة على الإسلام ونبيّه ودعوته وفتوحاته، عندما كانت الغزوات القبلية والترحال والضَّعْنُ والقصص البطولي الخرافي، هي أيام العرب، أي “تاريخهم” واجتماعهم وكينونتهم، والخبر عن حياتهم وأنسابهم وحلّهم وترحالهم. لا بد ان تحضر أيضاً عبارة “الشعر لسان العرب” التي تضاهي العبارة الأولى حضوراً وقوة، بل تلابسها ملابسة حميمة، منذ تلك العصور “الجاهلية” وما تلاها، وصولاً الى ما سمّي “عصر النهضة العربية الحديثة” في نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، عندما تصدّر الشعر وأعلامه تلك “النهضة” الأدبية والثقافية التي تواكبت مع نشوء الصحافة وازدهارها، وتحوّلها “لسان العرب” الحديث. والأرجح ان نشأة الصحافة هي التي أذنت بولادة الكتّاب وأهل القلم، أي “النخبة” الحديثة لعصر النهضة. احتفاءً وزهواً بنهضتكم تلك، اشتقت النخب العربية المحدثة ألقاباً ومراتب ومؤسسات، من أمثال: “أمير الشعر العربي”، “عميد الأدب العربي”، و”مَجْمَعُ اللغة العربية”. لكن هذه لم تعمّر طويلاً، فلم يخلف احمد شوقي أميرٌ للشعر العربي، كما لم يخلف طه حسين عميدٌ آخر للأدب العربي. اما مجمع اللغة العربية في كل من القاهرة ودمشق، فلم يكن حاله أفضل بكثير من حال إمارة الشعر وعمادة الأدب العربيين. ذلك أنه لم يستمر في حضوره وعمله الفعليين زمناً طويلاً، قبل أن يتحول إسماً نُصُبيّاً ومؤسسة ثقافية موقوفة لم تقوَ على تجاوز زمن التأسيس والبدايات. *** قبل أيام، طالعتني في شارع فرعي من شوارع حي الزمالك في القاهرة، لافتة صدئة مغبّرة مهترئة على مدخل بناية قديمة مهملة مهجورة مكتوبة عليها عبارة “مجمع اللغة العربية”. هذا في القاهرة. اما عن دمشق ومَجْمَعِها للغة العربية، فماذا يمكن سوى استحضار قَوْلَةٍ لأحد الشعراء العرب في صنعاء: ماذا أحدّث عن صنعاء يا أبتي؟ عاشقاها السلُّ والهرمُ. فدمشق الآن – وما أدراك ما دمشق؟ – هل يُسمع في صمت لياليها الكابوسية سوى الأنين في المعتقلات؟.. على ما روت امرأة دمشقية تقيم قريباً من ساحة العباسيين. وليس ضرباً من الخيال ان يكون مبنى المجمع اللغوي الدمشقي قد تحوّل معتقلاً للتعذيب والقتل. وها قد تحولت الموصل العراقية عاصمة لدولة الظلام والسّبي والذبح، وغرقت بغداد والكوفة والبصرة في الليل الطويل الذي لم يبقِ من ملايين أشجار النخيل العراقي ظلاً يمكن لبدر شاكر السياب أن يلمحه في “الهجيرة”، فيما هو يصيح: “يا خليج/ يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى!/ فيرجع الصدر/ كـأنه النشيج: /يا خليج/ يا واهب المحار والردى”. فيجاوبه محمد الماغوط من دمشق وبيروت: “تشبّثْ بموتك أيها الشاعر”، ما دام هذا “التابوت الممدد حتى شواطئ الأطلسي” يكتظ بالجثث، “ولا أملك ثمن منديل لأرثيه”. أما من عاش قرناً كاملاً مسحوراً بلبنانه وقدموسه، وبحضارات العالم القديم، وصنع للعربية صرحاً لا يضاهى اقْتَدّه من الضوء والرخام في بيروت أيام زهوها وزهوه الطاووسيّ بها في الخمسينات والستينات، وشطح به الزهو ضد إقامته في أمجاد الماضي الخالد، فقال: “أجمل التاريخ كان غداً”، وختم تعظيمه دمشق بقوله: “أنا حسبي أنني من جبلٍ/ هو بين الله والأرض كلام” – أما هذا الشاعر فلم يقوَ بعضُ مودّعيه الى مثواه الأخير في زحلة، على لجم أحقادهم، فشيّعوه بنبشها لبعث الحروب الأهلية التي لا تزال تعسُّ في الديار اللبنانية، لتبقى وحدها لغة “ايام العرب” في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. *** وماذا هم العرب اليوم سوى لغتهم؟ وماذا تبقى منهم غير لغتهم؟ لغتهم التي هي تاريخهم الحقيقي والفعلي، لكن المتجمد الذي لم يؤرخ له بعد، تأريخاً عصرياً محدثاً، ليصير لهم تاريخ في الأزمنة الحديثة. تاريخ قد يخرجهم من “ايام العرب” القديمة، ايام الغزوات والأنساب والقصص الخرافي البطولي، وأمراء الشعر والفتاوى والسّير والأحاديث والمخيلة الملكيّة والإمبراطورية الخرافية. لمناسبة تخصيص يوم عالمي للغة العربية، ننقل من “كتاب الاشتقاق” لابن دريد المتوفي سنة 321 هجرية، تعليله سبب تأليفه هذا الكتاب: بيان مذهب العرب في التسمية، مستعيداً ان العتيبي سئل مرة: ما بال العرب سمّت أبناءها بالأسماء المستبشعة، وسمّت عبيدها بالأسماء المستحسنة؟ فأجاب(العتيبي): لأنها (العرب) سمّت أبناءها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها. لكن لماذا يا ترى؟ لا العتيبي ولا ابن دريد يشرحان ذلك، ربما لأنه كان بديهيا آنذاك. ذلك ان العرب بأبنائها، اي برجالها وأسمائهم، تخيف أعداءها في الغزوات والحروب التي تُخرج العرب من الديرة والربع الى البطحاء، اي الى التخوم. اما العبيد، وهم ليسوا ابناء غزوٍ وحرب ولا يخرجون اليهما، فيقيمون كالنساء والغلمان في الداخل. المبدأ هذا لا يزال سارياً حتى اليوم. ألم يسمِّ شبان الحروب الأهلية الملبننة أنفسهم أسماء مستبشعة من أمثال: أبو الجماجم، أبو اللهب، أبو الغضب، أبو البلاوي… الخ، لإخافة أعدائهم في شوارع بيروت ال أن يجري تخصيص يوم عالمي للغة العربية، لاستذكارها والاحتفاء بها والتفكير في أحوالها وشؤونها وشجونها – على غرار ما للمرأة والأم والطفل والسلام والكتاب والبيئة والشجرة والعشاق… أيام – فإن الأمر لا يخرج عن كونه إدراجاً للغة العربية في طقوسية احتفالية هي صنيعة دُرْجَةٍ (موضة) عالمية أو معولمة، شاعت وتشيع في زمن طغيان الإعلام والإعلان وصناعة المناسبات في الفضاء العام العالمي، او المعولم. في هذه المناسبة سرعان ما تحضر عبارة “أيام العرب” التي تعود الى عصور “الجاهلية” السابقة على الإسلام ونبيّه ودعوته وفتوحاته، عندما كانت الغزوات القبلية والترحال والضَّعْنُ والقصص البطولي الخرافي، هي أيام العرب، أي “تاريخهم” واجتماعهم وكينونتهم، والخبر عن حياتهم وأنسابهم وحلّهم وترحالهم. لا بد ان تحضر أيضاً عبارة “الشعر لسان العرب” التي تضاهي العبارة الأولى حضوراً وقوة، بل تلابسها ملابسة حميمة، منذ تلك العصور “الجاهلية” وما تلاها، وصولاً الى ما سمّي “عصر النهضة العربية الحديثة” في نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، عندما تصدّر الشعر وأعلامه تلك “النهضة” الأدبية والثقافية التي تواكبت مع نشوء الصحافة وازدهارها، وتحوّلها “لسان العرب” الحديث. والأرجح ان نشأة الصحافة هي التي أذنت بولادة الكتّاب وأهل القلم، أي “النخبة” الحديثة لعصر النهضة. احتفاءً وزهواً بنهضتكم تلك، اشتقت النخب العربية المحدثة ألقاباً ومراتب ومؤسسات، من أمثال: “أمير الشعر العربي”، “عميد الأدب العربي”، و”مَجْمَعُ اللغة العربية”. لكن هذه لم تعمّر طويلاً، فلم يخلف احمد شوقي أميرٌ للشعر العربي، كما لم يخلف طه حسين عميدٌ آخر للأدب العربي. اما مجمع اللغة العربية في كل من القاهرة ودمشق، فلم يكن حاله أفضل بكثير من حال إمارة الشعر وعمادة الأدب العربيين. ذلك أنه لم يستمر في حضوره وعمله الفعليين زمناً طويلاً، قبل أن يتحول إسماً نُصُبيّاً ومؤسسة ثقافية موقوفة لم تقوَ على تجاوز زمن التأسيس والبدايات. *** قبل أيام، طالعتني في شارع فرعي من شوارع حي الزمالك في القاهرة، لافتة صدئة مغبّرة مهترئة على مدخل بناية قديمة مهملة مهجورة مكتوبة عليها عبارة “مجمع اللغة العربية”. هذا في القاهرة. اما عن دمشق ومَجْمَعِها للغة العربية، فماذا يمكن سوى استحضار قَوْلَةٍ لأحد الشعراء العرب في صنعاء: ماذا أحدّث عن صنعاء يا أبتي؟ عاشقاها السلُّ والهرمُ. فدمشق الآن – وما أدراك ما دمشق؟ – هل يُسمع في صمت لياليها الكابوسية سوى الأنين في المعتقلات؟.. على ما روت امرأة دمشقية تقيم قريباً من ساحة العباسيين. وليس ضرباً من الخيال ان يكون مبنى المجمع اللغوي الدمشقي قد تحوّل معتقلاً للتعذيب والقتل. وها قد تحولت الموصل العراقية عاصمة لدولة الظلام والسّبي والذبح، وغرقت بغداد والكوفة والبصرة في الليل الطويل الذي لم يبقِ من ملايين أشجار النخيل العراقي ظلاً يمكن لبدر شاكر السياب أن يلمحه في “الهجيرة”، فيما هو يصيح: “يا خليج/ يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى!/ فيرجع الصدر/ كـأنه النشيج: /يا خليج/ يا واهب المحار والردى”. فيجاوبه محمد الماغوط من دمشق وبيروت: “تشبّثْ بموتك أيها الشاعر”، ما دام هذا “التابوت الممدد حتى شواطئ الأطلسي” يكتظ بالجثث، “ولا أملك ثمن منديل لأرثيه”. أما من عاش قرناً كاملاً مسحوراً بلبنانه وقدموسه، وبحضارات العالم القديم، وصنع للعربية صرحاً لا يضاهى اقْتَدّه من الضوء والرخام في بيروت أيام زهوها وزهوه الطاووسيّ بها في الخمسينات والستينات، وشطح به الزهو ضد إقامته في أمجاد الماضي الخالد، فقال: “أجمل التاريخ كان غداً”، وختم تعظيمه دمشق بقوله: “أنا حسبي أنني من جبلٍ/ هو بين الله والأرض كلام” – أما هذا الشاعر فلم يقوَ بعضُ مودّعيه الى مثواه الأخير في زحلة، على لجم أحقادهم، فشيّعوه بنبشها لبعث الحروب الأهلية التي لا تزال تعسُّ في الديار اللبنانية، لتبقى وحدها لغة “ايام العرب” في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. *** وماذا هم العرب اليوم سوى لغتهم؟ وماذا تبقى منهم غير لغتهم؟ لغتهم التي هي تاريخهم الحقيقي والفعلي، لكن المتجمد الذي لم يؤرخ له بعد، تأريخاً عصرياً محدثاً، ليصير لهم تاريخ في الأزمنة الحديثة. تاريخ قد يخرجهم من “ايام العرب” القديمة، ايام الغزوات والأنساب والقصص الخرافي البطولي، وأمراء الشعر والفتاوى والسّير والأحاديث والمخيلة الملكيّة والإمبراطورية الخرافية. لمناسبة تخصيص يوم عالمي للغة العربية، ننقل من “كتاب الاشتقاق” لابن دريد المتوفي سنة 321 هجرية، تعليله سبب تأليفه هذا الكتاب: بيان مذهب العرب في التسمية، مستعيداً ان العتيبي سئل مرة: ما بال العرب سمّت أبناءها بالأسماء المستبشعة، وسمّت عبيدها بالأسماء المستحسنة؟ فأجاب(العتيبي): لأنها (العرب) سمّت أبناءها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها. لكن لماذا يا ترى؟ لا العتيبي ولا ابن دريد يشرحان ذلك، ربما لأنه كان بديهيا آنذاك. ذلك ان العرب بأبنائها، اي برجالها وأسمائهم، تخيف أعداءها في الغزوات والحروب التي تُخرج العرب من الديرة والربع الى البطحاء، اي الى التخوم. اما العبيد، وهم ليسوا ابناء غزوٍ وحرب ولا يخرجون اليهما، فيقيمون كالنساء والغلمان في الداخل. المبدأ هذا لا يزال سارياً حتى اليوم. ألم يسمِّ شبان الحروب الأهلية الملبننة أنفسهم أسماء مستبشعة من أمثال: أبو الجماجم، أبو اللهب، أبو الغضب، أبو البلاوي… الخ، لإخافة أعدائهم في شوارع بيروت المتقابلة؟ وحملة فصائح فساد الغذاء، أليست حملة إعلانية خالصة، لتقطيع الوقت الضائع بين حروب “داعش” و”حالش”؟أن يجري تخصيص يوم عالمي للغة العربية، لاستذكارها والاحتفاء بها والتفكير في أحوالها وشؤونها وشجونها – على غرار ما للمرأة والأم والطفل والسلام والكتاب والبيئة والشجرة والعشاق… أيام – فإن الأمر لا يخرج عن كونه إدراجاً للغة العربية في طقوسية احتفالية هي صنيعة دُرْجَةٍ (موضة) عالمية أو معولمة، شاعت وتشيع في زمن طغيان الإعلام والإعلان وصناعة المناسبات في الفضاء العام العالمي، او المعولم. في هذه المناسبة سرعان ما تحضر عبارة “أيام العرب” التي تعود الى عصور “الجاهلية” السابقة على الإسلام ونبيّه ودعوته وفتوحاته، عندما كانت الغزوات القبلية والترحال والضَّعْنُ والقصص البطولي الخرافي، هي أيام العرب، أي “تاريخهم” واجتماعهم وكينونتهم، والخبر عن حياتهم وأنسابهم وحلّهم وترحالهم. لا بد ان تحضر أيضاً عبارة “الشعر لسان العرب” التي تضاهي العبارة الأولى حضوراً وقوة، بل تلابسها ملابسة حميمة، منذ تلك العصور “الجاهلية” وما تلاها، وصولاً الى ما سمّي “عصر النهضة العربية الحديثة” في نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، عندما تصدّر الشعر وأعلامه تلك “النهضة” الأدبية والثقافية التي تواكبت مع نشوء الصحافة وازدهارها، وتحوّلها “لسان العرب” الحديث. والأرجح ان نشأة الصحافة هي التي أذنت بولادة الكتّاب وأهل القلم، أي “النخبة” الحديثة لعصر النهضة. احتفاءً وزهواً بنهضتكم تلك، اشتقت النخب العربية المحدثة ألقاباً ومراتب ومؤسسات، من أمثال: “أمير الشعر العربي”، “عميد الأدب العربي”، و”مَجْمَعُ اللغة العربية”. لكن هذه لم تعمّر طويلاً، فلم يخلف احمد شوقي أميرٌ للشعر العربي، كما لم يخلف طه حسين عميدٌ آخر للأدب العربي. اما مجمع اللغة العربية في كل من القاهرة ودمشق، فلم يكن حاله أفضل بكثير من حال إمارة الشعر وعمادة الأدب العربيين. ذلك أنه لم يستمر في حضوره وعمله الفعليين زمناً طويلاً، قبل أن يتحول إسماً نُصُبيّاً ومؤسسة ثقافية موقوفة لم تقوَ على تجاوز زمن التأسيس والبدايات. *** قبل أيام، طالعتني في شارع فرعي من شوارع حي الزمالك في القاهرة، لافتة صدئة مغبّرة مهترئة على مدخل بناية قديمة مهملة مهجورة مكتوبة عليها عبارة “مجمع اللغة العربية”. هذا في القاهرة. اما عن دمشق ومَجْمَعِها للغة العربية، فماذا يمكن سوى استحضار قَوْلَةٍ لأحد الشعراء العرب في صنعاء: ماذا أحدّث عن صنعاء يا أبتي؟ عاشقاها السلُّ والهرمُ. فدمشق الآن – وما أدراك ما دمشق؟ – هل يُسمع في صمت لياليها الكابوسية سوى الأنين في المعتقلات؟.. على ما روت امرأة دمشقية تقيم قريباً من ساحة العباسيين. وليس ضرباً من الخيال ان يكون مبنى المجمع اللغوي الدمشقي قد تحوّل معتقلاً للتعذيب والقتل. وها قد تحولت الموصل العراقية عاصمة لدولة الظلام والسّبي والذبح، وغرقت بغداد والكوفة والبصرة في الليل الطويل الذي لم يبقِ من ملايين أشجار النخيل العراقي ظلاً يمكن لبدر شاكر السياب أن يلمحه في “الهجيرة”، فيما هو يصيح: “يا خليج/ يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى!/ فيرجع الصدر/ كـأنه النشيج: /يا خليج/ يا واهب المحار والردى”. فيجاوبه محمد الماغوط من دمشق وبيروت: “تشبّثْ بموتك أيها الشاعر”، ما دام هذا “التابوت الممدد حتى شواطئ الأطلسي” يكتظ بالجثث، “ولا أملك ثمن منديل لأرثيه”. أما من عاش قرناً كاملاً مسحوراً بلبنانه وقدموسه، وبحضارات العالم القديم، وصنع للعربية صرحاً لا يضاهى اقْتَدّه من الضوء والرخام في بيروت أيام زهوها وزهوه الطاووسيّ بها في الخمسينات والستينات، وشطح به الزهو ضد إقامته في أمجاد الماضي الخالد، فقال: “أجمل التاريخ كان غداً”، وختم تعظيمه دمشق بقوله: “أنا حسبي أنني من جبلٍ/ هو بين الله والأرض كلام” – أما هذا الشاعر فلم يقوَ بعضُ مودّعيه الى مثواه الأخير في زحلة، على لجم أحقادهم، فشيّعوه بنبشها لبعث الحروب الأهلية التي لا تزال تعسُّ في الديار اللبنانية، لتبقى وحدها لغة “ايام العرب” في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. *** وماذا هم العرب اليوم سوى لغتهم؟ وماذا تبقى منهم غير لغتهم؟ لغتهم التي هي تاريخهم الحقيقي والفعلي، لكن المتجمد الذي لم يؤرخ له بعد، تأريخاً عصرياً محدثاً، ليصير لهم تاريخ في الأزمنة الحديثة. تاريخ قد يخرجهم من “ايام العرب” القديمة، ايام الغزوات والأنساب والقصص الخرافي البطولي، وأمراء الشعر والفتاوى والسّير والأحاديث والمخيلة الملكيّة والإمبراطورية الخرافية. لمناسبة تخصيص يوم عالمي للغة العربية، ننقل من “كتاب الاشتقاق” لابن دريد المتوفي سنة 321 هجرية، تعليله سبب تأليفه هذا الكتاب: بيان مذهب العرب في التسمية، مستعيداً ان العتيبي سئل مرة: ما بال العرب سمّت أبناءها بالأسماء المستبشعة، وسمّت عبيدها بالأسماء المستحسنة؟ فأجاب(العتيبي): لأنها (العرب) سمّت أبناءها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها. لكن لماذا يا ترى؟ لا العتيبي ولا ابن دريد يشرحان ذلك، ربما لأنه كان بديهيا

أن يجري تخصيص يوم عالمي للغة العربية، لاستذكارها والاحتفاء بها والتفكير في أحوالها وشؤونها وشجونها – على غرار ما للمرأة والأم والطفل والسلام والكتاب والبيئة والشجرة والعشاق… أيام – فإن الأمر لا يخرج عن كونه إدراجاً للغة العربية في طقوسية احتفالية هي صنيعة دُرْجَةٍ (موضة) عالمية أو معولمة، شاعت وتشيع في زمن طغيان الإعلام والإعلان وصناعة المناسبات في الفضاء العام العالمي، او المعولم.

في هذه المناسبة سرعان ما تحضر عبارة “أيام العرب” التي تعود الى عصور “الجاهلية” السابقة على الإسلام ونبيّه ودعوته وفتوحاته، عندما كانت الغزوات القبلية والترحال والضَّعْنُ والقصص البطولي الخرافي، هي أيام العرب، أي “تاريخهم” واجتماعهم وكينونتهم، والخبر عن حياتهم وأنسابهم وحلّهم وترحالهم.

لا بد ان تحضر أيضاً عبارة “الشعر لسان العرب” التي تضاهي العبارة الأولى حضوراً وقوة، بل تلابسها ملابسة حميمة، منذ تلك العصور “الجاهلية” وما تلاها، وصولاً الى ما سمّي “عصر النهضة العربية الحديثة” في نهايات القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، عندما تصدّر الشعر وأعلامه تلك “النهضة” الأدبية والثقافية التي تواكبت مع نشوء الصحافة وازدهارها، وتحوّلها “لسان العرب” الحديث. والأرجح ان نشأة الصحافة هي التي أذنت بولادة الكتّاب وأهل القلم، أي “النخبة” الحديثة لعصر النهضة.

احتفاءً وزهواً بنهضتكم تلك، اشتقت النخب العربية المحدثة ألقاباً ومراتب ومؤسسات، من أمثال: “أمير الشعر العربي”، “عميد الأدب العربي”، و”مَجْمَعُ اللغة العربية”. لكن هذه لم تعمّر طويلاً، فلم يخلف احمد شوقي أميرٌ للشعر العربي، كما لم يخلف طه حسين عميدٌ آخر للأدب العربي. اما مجمع اللغة العربية في كل من القاهرة ودمشق، فلم يكن حاله أفضل بكثير من حال إمارة الشعر وعمادة الأدب العربيين. ذلك أنه لم يستمر في حضوره وعمله الفعليين زمناً طويلاً، قبل أن يتحول إسماً نُصُبيّاً ومؤسسة ثقافية موقوفة لم تقوَ على تجاوز زمن التأسيس والبدايات.

***

قبل أيام، طالعتني في شارع فرعي من شوارع حي الزمالك في القاهرة، لافتة صدئة مغبّرة مهترئة على مدخل بناية قديمة مهملة مهجورة مكتوبة عليها عبارة “مجمع اللغة العربية”.

هذا في القاهرة. اما عن دمشق ومَجْمَعِها للغة العربية، فماذا يمكن سوى استحضار قَوْلَةٍ لأحد الشعراء العرب في صنعاء: ماذا أحدّث عن صنعاء يا أبتي؟ عاشقاها السلُّ والهرمُ. فدمشق الآن – وما أدراك ما دمشق؟ – هل يُسمع في صمت لياليها الكابوسية سوى الأنين في المعتقلات؟.. على ما روت امرأة دمشقية تقيم قريباً من ساحة العباسيين. وليس ضرباً من الخيال ان يكون مبنى المجمع اللغوي الدمشقي قد تحوّل معتقلاً للتعذيب والقتل.

وها قد تحولت الموصل العراقية عاصمة لدولة الظلام والسّبي والذبح، وغرقت بغداد والكوفة والبصرة في الليل الطويل الذي لم يبقِ من ملايين أشجار النخيل العراقي ظلاً يمكن لبدر شاكر السياب أن يلمحه في “الهجيرة”، فيما هو يصيح: “يا خليج/ يا واهب اللؤلؤ، والمحار، والردى!/ فيرجع الصدر/ كـأنه النشيج: /يا خليج/ يا واهب المحار والردى”. فيجاوبه محمد الماغوط من دمشق وبيروت: “تشبّثْ بموتك أيها الشاعر”، ما دام هذا “التابوت الممدد حتى شواطئ الأطلسي” يكتظ بالجثث، “ولا أملك ثمن منديل لأرثيه”.

أما من عاش قرناً كاملاً مسحوراً بلبنانه وقدموسه، وبحضارات العالم القديم، وصنع للعربية صرحاً لا يضاهى اقْتَدّه من الضوء والرخام في بيروت أيام زهوها وزهوه الطاووسيّ بها في الخمسينات والستينات، وشطح به الزهو ضد إقامته في أمجاد الماضي الخالد، فقال: “أجمل التاريخ كان غداً”، وختم تعظيمه دمشق بقوله: “أنا حسبي أنني من جبلٍ/ هو بين الله والأرض كلام” – أما هذا الشاعر فلم يقوَ بعضُ مودّعيه الى مثواه الأخير في زحلة، على لجم أحقادهم، فشيّعوه بنبشها لبعث الحروب الأهلية التي لا تزال تعسُّ في الديار اللبنانية، لتبقى وحدها لغة “ايام العرب” في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

***

وماذا هم العرب اليوم سوى لغتهم؟ وماذا تبقى منهم غير لغتهم؟ لغتهم التي هي تاريخهم الحقيقي والفعلي، لكن المتجمد الذي لم يؤرخ له بعد، تأريخاً عصرياً محدثاً، ليصير لهم تاريخ في الأزمنة الحديثة. تاريخ قد يخرجهم من “ايام العرب” القديمة، ايام الغزوات والأنساب والقصص الخرافي البطولي، وأمراء الشعر والفتاوى والسّير والأحاديث والمخيلة الملكيّة والإمبراطورية الخرافية.

لمناسبة تخصيص يوم عالمي للغة العربية، ننقل من “كتاب الاشتقاق” لابن دريد المتوفي سنة 321 هجرية، تعليله سبب تأليفه هذا الكتاب: بيان مذهب العرب في التسمية، مستعيداً ان العتيبي سئل مرة: ما بال العرب سمّت أبناءها بالأسماء المستبشعة، وسمّت عبيدها بالأسماء المستحسنة؟ فأجاب(العتيبي): لأنها (العرب) سمّت أبناءها لأعدائها، وسمّت عبيدها لأنفسها. لكن لماذا يا ترى؟

لا العتيبي ولا ابن دريد يشرحان ذلك، ربما لأنه كان بديهيا آنذاك. ذلك ان العرب بأبنائها، اي برجالها وأسمائهم، تخيف أعداءها في الغزوات والحروب التي تُخرج العرب من الديرة والربع الى البطحاء، اي الى التخوم. اما العبيد، وهم ليسوا ابناء غزوٍ وحرب ولا يخرجون اليهما، فيقيمون كالنساء والغلمان في الداخل.

المبدأ هذا لا يزال سارياً حتى اليوم. ألم يسمِّ شبان الحروب الأهلية الملبننة أنفسهم أسماء مستبشعة من أمثال: أبو الجماجم، أبو اللهب، أبو الغضب، أبو البلاوي… الخ، لإخافة أعدائهم في شوارع بيروت المتقابلة؟

وحملة فصائح فساد الغذاء، أليست حملة إعلانية خالصة، لتقطيع الوقت الضائع بين حروب “داعش” و”حالش”؟

Advertisements